ابن تيمية
255
المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
السلام لا سعى لهم في إنبات النبات ، وإنزال القطر من السماوات فكيف يكون ذلك من مريم عليها السلام ؟ وإنما هذا اعتقاد النصارى فيها وفي شيوخهم القسيسين أنهم ينفعونهم أو يضرونهم ، وهذا من شركهم الذي ذمهم الله تعالى به كما قال تعالى : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ 31 / 9 ] ، وقال تعالى : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ } [ 79 / 3 ] الآيتين . فإذا كان من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا هو كافر فكيف بمن اتخذ مريم أو غيرها من الشيوخ ؟ وقال تعالى : { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } [ 56 / 17 ] قال طائفة من السلف : كان قوم يدعون العُزير والمسيح والملائكة فقال الله تعالى : هؤلاء الأنبياء والملائكة الذين تدعونهم يرجون رحمتي ويخافون عذابي كما ترجون رحمتي وتخافون عذابي ويتقربون إلي كما تتقربون إلي ، وأخبر أنهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا ، فإذا كان هذا في الملائكة والنبيين فكيف بمن دونهم كمريم وغيرها من الصالحين الرجال والنساء ؟ فمن دعا غير الله تعالى أو عبده فهو مشرك بالله العظيم ، وإن كان ذلك رجل صالح أو امرأة صالحة . وكذلك التزين يوم عيد النصارى من المنكرات وصنعة الطعام الزائد عن العادة وتكحيل الصبيان وتحمير الدواب والشجر بالمغرة وغيرها وعمل الولائم وجمع الناس على الطعام في عيدهم ، ومن فعل هذه الأمور يتقرب بها إلى الله تعالى راجيا بركتها فإنه يستتاب فإن تاب وإلا